السعيد شنوقة
369
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
الإضلال « 1 » باعتباره تسمية بالضلال لم يخلقه الله تعالى لأنه لا يفعل القبيح ، وبأن كل أفعاله حسنة « 2 » . . . ونحن نجد تفسيره على هذا الأساس الاعتزالي في كثير من الآيات منها ما قاله في الآية : قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضْعَفُ جُنْداً [ مريم : 75 ] من أن « المراد بالضلالة ما دعاهم من جهلهم وغلوّهم في كفرهم إلى القول الذي قالوه ولا ينفكّون عن ضلالتهم إلى أن يعاينوا نصرة الله المؤمنين أو يشاهدوا الساعة ومقدماتها » « 3 » أو ما فسّر به قوله عز وجل : مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [ الأنعام : 39 ] « أي يخذله ويخلّه وضلاله لم يلطف به لأنه ليس من أهل اللطف » « 4 » . ولا شك في أن تفسيره ينسجم مع معتقد المعتزلة المبني على أن الله تعالى لا يخلق الهدى ولا الضلال ، وأنهما من جملة مخلوقات العباد وهو ما ردّه أهل السنة . ولم يخرج عن هذا المعنى في تفسير الآية : وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلالًا [ نوح : 24 ] . حين قال : « فإن قلت كيف جاز أن يريد ولم يخرج عن هذا المعنى في تفسير الآية لهم الضلال ويدعو الله بزيادته ؟ قلت : المراد بالضلال أن يخذلوا ويمنعوا الألطاف لتصميمهم على الكفر ووقوع اليأس من إيمانهم وذلك حسن جميل يجوز الدعاء به بل لا يحسن الدعاء بخلافه » « 5 » .
--> ( 1 ) قال ابن المرتضى اليماني : « الإضلال من جنس العقاب ، وقد دل السمع على أن الله خلق الخلق في الابتداء على الفطرة نعمة ورحمة لأوليائه ونقمة وحجة على أعدائه . ودل القرآن على أن الله تعالى يبدأ باللطف ثم يعاقب من يشاء ممن لم يقبل اللطف ، قال تعالى : إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً [ الإنسان : 3 ] . وقال : ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ [ عبس : 20 ] وغيرها . ودل السمع على أنه تعالى يبتدئ بالإحسان من غير استحقاق ، ولا يبتدئ بالعقوبة من غير استحقاق بل يمهل بعد الاستحقاق ويحكم ، ويكرر الحجة ويعذر ، ويعفو عن كثير ثم ينتقم ممن يشاء بالحكمة البالغة ، ويعفو عمن يشاء بالرحمة الواسعة ( . . . ) ، وما كان على جهة العقوبة لم يفعله الله بالعبد ابتداء قبل الاستحقاق ، وما كان على جهة الابتداء الذي لا يصح التكليف إلا به فعله ، وما زاد على ذلك مما يقع عنده المعاصي فهو مسألة الخلاف » : إيثار الحق على الخلق دار الكتب العلمية ، بيروت ، ص 274 - 273 . ( 2 ) انظر القاضي عبد الجبار ، شرح الأصول الخمسة ، ج 2 ، ص 3 . ( 3 ) الكشاف : ج 2 ، ص 522 ( 4 ) م ن ، ج 2 ، ص 17 . ( 5 ) م ن ، ج 4 ، ص 164 .